السيد محمد تقي المدرسي

210

من هدى القرآن

إن الرسالة هي الحق المرتكز في فطرة الإنسان وعقله ، وآياتها تترى وتتواصل الحجج الدالة عليها حتى يقتنع الإنسان بها ، ثم إنها تقوم بدور تذكرة البشر وتنمية عقله وإرادته . « قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ » والقليل هنا حسبما يبدو لي بمعناه المعروف . ولعل الترتيب في النفي بتقديم نفي الشعر ثم نفي الكهانة ب - « وَلا » يهدينا إلى أن الكهانة في عرف المجتمع أرفع وأعجب من الشعر ، كما في قول الله : « قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ » « 1 » . والكهانة من حيث المعنى هي التحدث بالغيب ، والكُهَّان هم الذين يدَّعون العلم به ، أما من حيث اشتقاقها اللفظي فيبدو أنها من الأسماء الدخيلة لأن أصلها دخيل على المجتمع العربي من الثقافات الجاهلية التي تسربت إلى الديانات السماوية كاليهودية والنصرانية ومن خلالهما انتقلت إلى العرب ، ويشير بعض أهل اللغة إلى أن الكلمة معربَّة ، والأقرب أنها قدمت اسما وحرفة من الشعب العبري ، لأن اليهود كانوا يسكنون شبه الجزيرة ، وكانت لهم محاولات لنشر مبادئهم وأفكارهم فيها . وثابت تاريخيًّا أن أغلب رواد الكهانة من اليهود والنصارى وقد اتخذوها سبيلا للوصول إلى الزعامة الروحية . أما كيف يقضي الكهان بما يحسبه الناس غيبا ؟ فالجواب للأسباب التالية : أولًا : الذكاء المتميز الذي يساعدهم على التقاط إشارات الحقائق وإرهاصات الظواهر كبعض المحللين الاستراتيجيين المتفوقين اليوم . ثانياً : القدرة على استشفاف المستقبل والتنبؤ به ، وهذه القدرة يمتلكها أغلب الناس إلا أن الكهنة ينمُّون هذه القدرة في أنفسهم شأنهم شأن السياسيين الكبار . ثالثاً : الاتصال بالجن والأرواح الشيطانية عبر رياضات روحية معينة شأنهم شأن المرتاضين اليوم . رابعاً : معرفتهم بالثقافات والعلوم الغريبة عن ذلك المجتمع الجاهلي . وهذه العوامل كانت تساعد الكهنة على التعرف على بعض الحقائق المجهولة عند الناس والتي كانوا يخلطونها بكثير من الأكاذيب والأساطير . وحول أصل الكهانة جاء في الخبر المأثور في كتاب الاحتجاج : أن الزنديق سأل الإمام الصادق عليه السلام فمن أين أصل الكهانة ومن أين يخبر الناس بما يحدث ؟ قال عليه السلام : إِنَّ الْكِهَانَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي كُلِّ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ كَانَ الْكَاهِنُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ يَحْتَكِمُونَ إِلَيْهِ فِيمَا يَشْتَبِهُ

--> ( 1 ) راجع تفسير هذه الآية في سورة الجمعة .